مثلي علناً وبلبناني

منذ الصباح الباكر استفقت من فراشي، تغلبت على النعاس الذي كان يشّل جسدي في السرير بعد ليلٍ طويل ومضنٍ؛ غسلت وجهي، سرّحت شعري، لبست ثياباً جديدة كمن يتحضر لموعد غرامي.  أقفلت باب البيت واتجهت نحو سيارتي مسرعاً، جلست خلف المقود، أدرت محرك السيارة واتجهت الى وزارة العدل في منطقة العدلية في بيروت.  هذه المرة الأولى التي أقصد فيها قصر العدل، فلم أكن يوماً متّهماً بقضية، ولا درست المحاماة ولا مارست مهنة القضاء أبداً.  ولكن في هذا اليوم ذهبت لهناك لأتطلق التُهم ضُدَّ إعلام بلادي وإعلامييه، قضائه وقضاته، ضد أطبائه الشرعيين ورجال أمنه، ضد حكامه وضد مهووسو العفة المقنعة فيه.

هناك كان العشرات من الناشطين والناشطات على الموعد، ينتظرون بعضهم البعض.  اللقاء فريد من نوعه ولكنه ليس الأول؛ رأيتهم جميعاً جورج، حسن، سام، عمر، جوزيف وصديقه، رنا، سمر، ألكس وغيرهم يجتمعون في وضح النهار أمام الجميع وليس في ظلمة بار أو ملهى ليلي بين أصدقائنا من المثليين و المثليات.

حماس شربل كان مميّز ، كان يصرخ بكل ما جمعه من قوة هاتفاً “اغتصاب اغتصاب هيدا الفحص اغتصاب” والكل يردد من خلفه كالكورس دون هوادة وتردد دون خوف من عدسات الكاميرات الموجهة صوبنا والتي شعرتُ للحظة أنها فاقت عددنا نحن المجتمعين أمام الوزارة.

في الخلف رجلا أمن ينظران نحونا، يتهامسان ويضحكان ، ولكن ما من يكترس لهما: “مستواهم طيزنا يلي اغتصبوها” كانت العبارة التي يرددها أحد الشباب على مسمعي.  شجاعة شرسة لا مثيل لها في عيون الأكثرية من المتواجدين. ربما عددنا كان يقاس بالعشرات ولكن جرأتنا كانت أكثر لهباً من حريق شمس آب.  الى جانبي شابان متحمسان لمداخلة على إحدى الشاشات، الكل مفتخر بمثليته، الكل يجاهر بها.

في الحادي عشر من آب 1999 انشغل العالم بكسوف الشمس أما في هذا اليوام الواقع أيضاً في الحادي عشر من آب (2012) كسر مثليو لبنان حالة الكسوف المفروضة عليهم. لن أنسى أبداً هذا اليوم، الذي اجتمعنا فيه مثليين ومثلييات، متحولين ومتحولات، مناصرين ومناصرات للمثلية، إعلام شريف وبغيض ضد فحوص العار التي انتهكت وتنتهك عرضنا وحرمتنا و حقوقنا كبشر. لن أنسى أبدا هذا اليوم الذي وقفت فيه منتصب القامة، مرفوع الرأس، أكتافي عالية، أتنفس حرية بين دخان السيارت المارة، هذا اليوم الذي أعلنت فيه مثليتي من نبض الشارع اللبناني أمام هذا المجتمع المصدّع والمهترئ، هذا اليوم الذي صرخت (لم أهتف، بل صرخت) أنا مثلي الجنس وبلبناني.

3 thoughts on “مثلي علناً وبلبناني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s